بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد ..
كان الاحتقان الشعبي لمواطني تونس قد بلغ ذروته بعدما ضاقت صدورهم ذرعا بنظام زين العابدين الذي استمر لثلاث وعشرين سنة تولى فيها السلطة بالانقلاب الأبيض على الرئيس الأسبق أبو رقيبة في تاريخ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987.
وفي هذه الأيام خرج الثائرون على السلطة يريدون أن يستنشقوا الهواء الذي حرموه لسنوات عجاف عاشوا فيها بين الأماني والآمال الكاذبة ، لم يرعبهم عدد القتلى والمواجهات العسكرية فقد شعروا أنه لا فرق بين أن تموت برصاص أو أن تشعر بالموت وأنت حي بل أنهم رحبوا به لأن الموت الحقيقي ينهي معاناة الذل والمهانة .
أستطاع زين العابدين أن يكبت كل الأصوات التي لا توافقه سواء وطنية وإسلامية ويسارية وليبرالية وحتى جمهورية دون أن يسمع لأحد حتى جاءت ساعة الصفر وأنقلب السحر على الساحر وتكررت اللوحة التي رسمها قبل 23 سنة ولكنها بلون الدم وبفرشاة القوة .
مثل هذه الصورة المأساوية تكررت في بعض الدول القريبة والبعيدة وهي سنة كونية سارية في الخلق ( فكما تدين تدان ..) .
أيها الإخوة الكرام يلوح لي من هذا الحدث عبر ودروس كثيرة لمن تأملها وسبر أغوارها وفي نظري أن من أهمها :
هو أن قطع جميع قنوات التواصل الصوتية والكتابية وحتى لغة الإشارة بين المواطن والمسئول ، ومنع المواطن من قول الحقيقة التي يشاهدها- الواضح منها للعيان أو المستتر- لمن يهمه الأمر ، في حين أنه يرى الأصوات الكاذبة والغادرة تصل بكل سهولة ويسر مع التزويق والتزوير ، أضف على ذلك أن يوصف كل مخالف لأي فكرة مطروحة من جهة النظام الحاكم أنه إرهاب وخروج على الدولة وأنه تجني وفوضى وتخلف , ولذلك فهؤلاء البسطاء من الناس في يوم من الأيام لن يصمتوا ولن يقفوا منتظرين طويلا ، فالصوت الهادئ الضعيف في يوم سنقلب مرعبا وعنيفا كما حصل في تونس الحبيبة .
وفي بعض الأنظمة والحكومات التي تمارس مثل هذا الإقصاء تعاني من اضطرابات داخلية وتمزقات بين صفوف الأكابر مما تسبب في تشتيت الأمر وإضعاف الحاكمية والسيطرة ومن ثم السقوط .
فلا دولة بلا شعب ولا شعب بلا دولة فالكل مكمل لبعضه البعض ، فمتى شعر أحدهم بانفصاله عن الأخر وأعلن استغناءه عنه فهي بداية التدهور الضياع .
وإنك بالعودة للعهد النبوي ولسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي مارس أعظم انفتاح وتقبل للآراء وفتح كل الأبواب والمجالات لمن يريد أن يتكلم أن يتكلم مما سهل عليه ممارسة القيادة بكل أريحية وحكمة .
خذ على سبيل المثال بداية الدعوة في مكة وذلك الحوار الذي دار بينه وبين الوليد بن المغيرة وتلك الأخلاق العالية التي سمحت لهذا المشرك أن يقول ما يشاء مما جعله يستسلم أمام الرد النبوي فجاءه الجواب والوافي المقنع فكان قاب قوسين أو أدنى من الإسلام .
المثال الثاني : ذلك الشاب الذي جاء يستأذن في الزنا وكيف واجهه القائد العظيم بالحكمة والموعظة الحسنة فخرج لا يجد أبغض من الزنا .
ما أحوجنا جميعنا أن نفتح قلوبنا وآذاننا للناس لنستمع لهم ولما يدور في نفوسهم من غير كبت ولا تهميش الحكام مع المحكوم ، الرئيس مع مرؤوسة ، والأب مع إبنه ، والمعلم مع طلابه ، ومن ثم إن كان ما يقال حقاً لزمنا أتابعه ، وإن كان باطلا رددناه بالحكمة واللين .
نسأل الله أن يحفظ علينا أمننا وإيماننا ..
وإلى اللقاء
محمد بن فرحان العنزي
m-f7986@hotmail.com